الشيخ محمد رشيد رضا
208
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
خوف الضلال ونحوه كأنها هي التي تجمعهم اه المراد منه فعلم من هذا ان الاجماع في اللغة ليس هو اتفاق الناس أو طائفة منهم على أمر مطلقا وانما هو إحكام الامر المتفرق وعزمه لئلا يتفرق . ويكون من الواحد وأكثر من الواحد ولا يقتضي أن يقوم به كل أهل الشأن ، بل يكفي ان يبرمه من يمتنع التفرق بابرامهم له ، فرجوع عمر بمن كان معه عن الوباء كان بالاجماع اللغوي دون الأصولي ، ومنه قول عمر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة « اقض بما في كتاب اللّه فإن لم يكن فبما في سنة رسول اللّه ( ص ) فإن لم يكن فبما أجمع عليه الصالحون » وفي لفظ ما قضى به الصالحون ، ومنه قول الإمام أحمد انه عمل في مسألة التكبير باجماع عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ، أي ما جزموا به وعزموه بالعمل فأين هذا من إجماع الأصول الذي معناه أن يتفق جميع المجتهدين على أمر ما ، وكان المجتهدون في العصر الأول ألوفا كثيرة لا يمكن حصرهم فلذلك أنكر الإمام أحمد دعوى العلم باجماعهم على المعنى الذي اصطلح الناس عليه في زمنه ، وكذلك أنكره غيره وما زال أهل الاستقلال في الفهم يبحثون في ذلك وقد زرت الأستاذ الامام في العيد منذ اثنتي عشرة سنة فألفيت عنده أحمد فتحي باشا زغلول العالم القانوني وإذا هو يسأله في الإجماع كيف يمكن أن يقع وان يعلم به مع عدم حصر أهله ولا تعارفهم ؟ ورأيت الأستاذ رحمه اللّه تعالى وافقه على استنكاره فقلت إن الذي أعتقده في الاجماع هو أن يجتمع العلماء النابغون الموثوق بهم ويتذاكروا في المسائل التي لا نص فيها ويكون ما يتفقون عليه هو المجمع عليه حتى ينعقد إجماع آخر منهم أو ممن بعدهم ، فقال الأستاذ الامام هذا حسن لو كان ولكن ليس هو الاجماع الذي يذكرونه وجملة القول أن الأصل في الاجماع أن يكون إجماع الأمة كما صرح به بعضهم ولا سبيل إلى اجتماع افراد الأمة فيحصل المراد بمن يمثلها وهم أولو الأمر بالمعنى الذي بيناه مرارا ولا بد من اجتماعهم ، وللمتأخرين منهم أن ينقضوا ما اجمع عليه من قبلهم بل وما أجمعوا هم عليه إذا رأوا المصلحة في غيره فان وجوب طاعتهم لأجل المصلحة لا لأجل العصمة كما قيل في الأصول والمصلحة تظهر وتخفى وتختلف